أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

249

العقد الفريد

ومن جوده أيضا أنه أتاه سائل وهو لا يعرفه فقال له : تصدّق ، فإني نبّئت أن عبيد اللّه بن عباس أعطى سائلا ألف درهم واعتذر إليه ! فقال له : وأين أنا من عبيد اللّه ؟ قال أين أنت منه في الحسب أم كثرة المال ؟ قال : فيهما . قال : أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله ، وإذا شئت فعلت ، وإذا فعلت كنت حسيبا . فأعطاه ألفي درهم واعتذر له من ضيق الحال : فقال له السائل : إن لم تكن عبيد اللّه بن عباس فأنت خير منه ، وإن كنت هو فأنت اليوم خير منك أمس . فأعطاه ألفا أخرى . فقال السائل : هذه هزة كريم حسيب ، واللّه لقد نقرت « 1 » حبة قلبي فأفرغتها في قلبك ، فما أخطأت إلا باعتراض الشك بين جوانحي . ومن جوده أيضا : أنه جاءه رجل من الأنصار فقال : يا بن عم رسول اللّه ، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود ، وإني سمّيته باسمك تبرّكا مني به ، وإن أمه ماتت . فقال عبيد اللّه : بارك اللّه لك في الهبة ، وأجزل لك الأجر على المصيبة . ثم دعا بوكيله فقال : انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه ، وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته . ثم قال للأنصاري . عد إلينا بعد أيام ، فإنك جئتنا وفي العيش يبس وفي المال قلّة . قال الأنصاري : لو سبقت حاتما بيوم واحد ما ذكرته العرب أبدا ، ولكنه سبقك فصرت له تاليا ، وأنا أشهد أنّ عفوك أكثر من مجهوده ، وطلّ كرمك أكثر من وابله . جود عبد اللّه بن جعفر ومن جود عبد اللّه بن جعفر أن عبد الرحمن بن أبي عمّار دخل على نخّاس يعرض قيانا له ؛ فعلق واحدة منهن ، فشهر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاوس ومجاهد يعذلونه ، فكان جوابه أن قال : يلومني فيك أقوام أجالسهم * فما أبالي أطار اللّوم أم وقعا

--> ( 1 ) حبّة القلب : مهجته .